ملا محمد مهدي النراقي
268
جامع السعادات
هذه إلا الملك الجبار " ( 14 ) . وقد ظهر من هذه الأخبار ، أن الصمت مع سهولته أنفع للانسان من كل عمل ، وكيف لا يكون كذلك ، وخطر اللسان الذي هو أعظم الأخطار وآفاته التي هي أشد المهلكات لا ينسد إلا به ؟ والكلام وإن كان في بعضه فوائد وعوائد ، إلا أن الامتياز بين الممدوح والمذموم منه مشكل ، ومع الامتياز فالاقتصار على مجرد الممدوح عند أطلاق اللسان أشكل ، وحينئذ فالصمت عما لا جزم بتضمنه للخير والثواب من الكلام أولى وأنفع . وقد نقل : " إن أربعة من أذكياء الملوك - ملك الهند ، وملك الصين وكسرى ، وقيصر - تلاقوا في وقت ، فاجتمعوا على ذم الكلام ومدح الصمت فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل . وقال الآخر : إني إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها ، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني . وقال الثالث : عجبت للمتكلم ، إن رجعت عليه كلمته ضرته ، وإن لم ترجع لم تنفعه . وقال الرابع : أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت " . ومنها : حب الجاه والشهرة والمراد بالشهرة : انتشار الصيت ، ومعنى الجاه : ملك القلوب وتسخيرها بالتعظيم والإطاعة والانقياد له . وبعبارة أخرى : قيام المنزلة في قلوب الناس ، وإنما تصير القلوب مملوكة مسخرة للشخص ، باشتمالها على اعتقاد اتصافه بكمال حقيقي ، أو بما يظنه كما لا ، من علم وعبادة ، أو ورع وزهادة ، أو قوة وشجاعة ، أو بذل وسخاوة ، أو سلطنة وولاية ، أو منصب ورياسة ، أو غنى ومال ، أو حسن وجمال ، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالا . وتسخير القلوب وانقيادها على قدر اعتقادها ، وبحسب درجة ذلك الكمال عندها ، فبقدر ما يعتقد أرباب القلوب تذعن له قلوبهم ، وبقدر إذعانها تكون قدرته عليهم ، وبقدر قدرته يكون فرحه وحبه للجاه . ثم تلك القلوب تبعث أربابها على المدح والثناء ، فإن المعتقد للكمال لا يسكت
--> ( 14 ) مصباح الشريعة : الباب 27